سيد قطب

2033

في ظلال القرآن

وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي : روى الترمذي - وحسنه - من رواية ابن عمر : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » . وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن الرقى والتمائم شرك » . وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من علق تميمة فقد أشرك » . وعن أبي هريرة - بإسناده - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « يقول اللّه : أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه » . وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ابن أبي فضالة قال : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد : من كان أشرك في عمل عمله للّه ، فليطلب ثوابه من عند غير اللّه ، فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » . وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن محمود بن لبيد أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول اللّه ؟ قال : « الرياء . يقول اللّه تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء » ؟ فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان . وهناك الشرك الواضح الظاهر ، وهو الدينونة لغير اللّه في شأن من شؤون الحياة . الدينونة في شرع يتحاكم إليه - وهو نص في الشرك لا يجادل عليه - والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها اللّه . والدينونة في زيّ من الأزياء يخالف ما أمر اللّه به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة اللّه أن تستر . . والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعا ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد ، وتركا للأمر الواضح الصادر من رب العبيد . . إنه عندئذ لا يكون ذنبا ، ولكنه يكون شركا . لأنه يدل على الدينونة لغير اللّه فيما يخالف أمر اللّه . . وهو من هذه الناحية أمر خطير . . ومن ثم يقول اللّه : « وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ » . . فتنطبق على من كان يواجههم رسول اللّه في الجزيرة ، وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان . وبعد فما الذي ينتظره أولئك المعرضون عن آيات اللّه المعروضة في صفحات الوجود ، بعد إعراضهم عن آيات القرآن التي لا يسألون عليها أجرا ؟ ما ذا ينتظرون ؟ « أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ ، أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ؟ » . . وهي لمسة قوية لمشاعرهم ، لإيقاظهم من غفلتهم ، وليحذروا عاقبة هذه الغفلة . فإن عذاب اللّه الذي لا